24New FaceAROUND THE CLOCK
PoliticsNews report

مؤسّسوالمأساة السودانيّة الأصليّون

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

+

نيو فيس 24

·4 دقائق read

مؤسّسوالمأساة السودانيّة الأصليّون

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

إذا راجعنا المحطّات الأساسيّة في التاريخ السودانيّ الحديث وقعنا على خلفيّة دسمة لفهم المأساة الراهنة. فهناك تضافرَ تفتّتٌ استثنائيّ، متعدّد المستويات، وعجز استثنائيّ عن تضييق ذاك التفتّت عبر دولة تحوّل المجتمع، ولو تدريجاً، جماعةً سياسيّة وطنيّة.

وبالتحقيب الزمنيّ، لعب الحكم البريطانيّ دوراً تأسيسيّاً من وجهين: فهو، في سبتمبر (أيلول) 1898 وحّد إدارياً تلك الرقعة الجغرافيّة الجبّارة بعد إلحاقه الهزيمة بالمهديّين، فبالغَ في التوحيد ضدّاً على صيت الاستعمار بأنّه تجزيئيّ بالمطلق. ومن جهة أخرى، جاء توحيده السودان مشوباً بالتفكيك الذي غذّى تفاوتاً ضخماً أصلاً. فقد اتّبعت بريطانيا «سياسة جنوبيّة» تحدّ من تأثير الشمال العربيّ والمسلم على الجنوب، وتشجّع التبشير المسيحيّ فيه. لكنْ بعد الحرب العالميّة الثانية، ومع الاستعدادات البريطانيّة للجلاء عن المستعمرات، لم يعد يُعمَل بأيّة «سياسة جنوبيّة»، واعتُمد مبدأ الدمج البسيط بالشمال. وهو ما ردّ عليه الجنوبيّون، في 1955، بتمرّدهم المسلّح الأوّل الذي افتتح الحرب الأهليّة الأولى.

بيد أنّ الأدوار الأكبر في المأساة اضطلع بها قادة سودانيّون كان في وسعهم، عبر عشرات السنوات الاستقلاليّة، تضييق التفاوت، إن بشقّه الأصليّ أو بإضافته البريطانيّة. لكنّ ما حصل كان العكس تماماً، فيما تولّى أبرزَ الارتكابات جنرالات الجيش من خلال نفاد صبرهم السريع حيال تعثّر العمليّات السياسيّة، ومساواتهم بين خلاص قابل للبلوغ و«أنا» ذاتيّة متعاظمة التضخّم.

أوّل هؤلاء كان ابراهيم عبّود. ففي 1956 استقلّ البلد بشماله المسلم، المتقدّم تعليماً وصلةً بالعمل الإداريّ، وجنوبه المتأخّر تقليديّاً الذي يعتنق المسيحيّة وبضع ديانات محلّيّة. لكنّ الاستقلال عبّر ضمناً عن تسوية بين تيّارين شماليّين توزّعا النشاط الاستقلاليّ: المهديّ الممثّل للوطنيّة المحلّيّة معبَّراً عنه ب«حزب الأمّة»، والختميّ الداعي إلى الاتّحاد مع مصر ويمثّله «الحزب الوطنيّ الاتّحاديّ».

وما بين شمال – جنوب، ومهديّة – ختميّة، بدت السياسة مهمّة صعبة في السودان. هكذا، وبعد عامين على الاستقلال، اجترح عبّود الحلّ المُتوَهّم بانقلاب عسكريّ أبقاه في السلطة حتّى 1964.

أمّا الثاني فكان جعفر نميري الذي نفّذ انقلابه في 1969، مستفيداً من بلبلة الحياة السياسيّة وارتباكاتها. ذاك أنّ «ثورة أكتوبر» التي أسقطت عبّود، أقامت حكماً مدنيّاً تعاقبت حكوماته الائتلافيّة غير المستقرّة، وذلك تبعاً لضعف الاجماعات حول الجنوب والدستور وعلاقة الدين بالدولة. لكنْ في 1972 توصّل نميري إلى اتّفاق أديس أبابا مع الجنوبيّين، والذي ظنّ المتسرّعون أنّه أنهى الحرب الأهليّة. وفي 1977 كانت «المصالحة الوطنيّة» مع المعارضة الموحّدة والتي أرادها نميري إدماجاً كاملاً ومطلقاً للمعارضين في نظامه.

وراحت توجّهات الأخير الاستبداديّة تتسارع: ففي 1983 ألغى العمل باتّفاق أديس أبابا وفرضَ قوانين الشريعة الإسلاميّة، فاندلعت الحرب الأهليّة الثانية في الجنوب. وكان قد مُهّد للشريعة بإجراءات أهمّها تسمية القياديّ الإسلاميّ حسن الترابي، منذ 1979، مدّعياً عامّاً، الأمر الذي نمّ عن التساهل مع اختراق الإسلاميّين جهازَ الدولة وبيروقراطيّتها.

أمّا الذين ظنّوا أنّ في الأمر ولاءات فكريّة وسياسيّة صلبة فراعَهم أنّ الضابط الذي بدأ مسيرته ناصريّاً وحليفاً للشيوعيّين، انقلب بعد وفاة عبد الناصر عن الناصريّة، وقضى على أكبر الأحزاب الشيوعيّة العربيّة في أعقاب انقلاب هاشم العطا في 1971.

وأمّا الثالث، الأطول عهداً والأشدّ فتكاً بالبلد، فكان عمر البشير، مدعوماً من «الجبهة الاسلاميّة» وقائدها الترابي. وهو أيضاً استفاد من عثرات حكم مدنيّ لم يعش غير ثلاث سنوات، وكان آخرَ تجربة برلمانيّة في البلاد. ففي 1989 انقلب البشير ليبقى ثلاثين عاماً في السلطة أقام، خلالها، أسامة بن لادن في السودان. وبدل حلّ مشكلة الجنوب تفاقمت مشكلة الغرب واندلعت، في 2003، حرب دارفور. وإذ أقرّ البشير بحقّ الجنوب في تقرير المصير، ما آل إلى استقلاله في 2011، تفرّغ لحرب الغرب ووسّع نطاقها وانتهاكاتها بحيث أصدرت المحكمة الجنائيّة الدوليّة، عام 2009، مذكّرة توقيف بحقّه.

وكمثل نميري قبله، تمرّد البشير، أواخر التسعينات، على أستاذه الترابي، فأقاله من منصبه ثمّ اعتقله، معلناً أنّ سماء الإسلاميّين لا تتّسع لنجمين.

وفي 2019 أطاح «المجلس العسكريّ» بالبشير بعد احتجاجات شعبيّة أثارها انهيار اقتصاديّ. ومذّاك جرت محاولات عدّة ل«انتقال ديمقراطيّ» لم يحصل. ما حصل كان انفجار الصراع الدمويّ، عام 2023. ومثلما اصطبغت الحرب ضدّ الجنوب بنوازع عنصريّة، تكرّر الأمر في الحرب ضدّ الغرب بقيادة «قوات الدعم السريع» المتفرّعة عن «الجنجويد» سيّئة السمعة، والتي، للمفارقة، أنشأها نظام البشير في 2013.

أمّا الحرب الكبرى، التي اندلعت في 2023 ولا تزال مستمرّة، فتأدّى عنها نزوح حوالى 9 ملايين سودانيّ داخل بلدهم، ولجوء نحو من 4 ملايين إلى خارجه. وأمّا قتلى تلك الحرب وضحايا الوفيّات الناجمة عنها فيتراوح عددهم بين 60 و150 ألفاً، وهذا علماً بأنّ وفيّات كثيرة لم تُسجّل تبعاً لتعذّر الوصول إلى مناطقهم النائية.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

Stay informed

Follow related sections on New Face 24

More from Politics

Suggested

Read also

أول تعليق لترامب على حادثة طائرة "فلاي دبي"Politics

أول تعليق لترامب على حادثة طائرة "فلاي دبي"

2 دقائقWednesday, 30 September 2026 at 21:39