24New FaceAROUND THE CLOCK
PoliticsNews report

من دفتر الذكريات ( 5 )

إسماعيل التلاوي من عين الحلوة الى الخالصة...خصلة الشعر سبقت صاحبتها حكايتنا هذه المرة، تبدأ في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، الواقع بالقرب من مدينة صيدا في جنوب لبنان.. ذلك المخيم الذي حمل في ذاكرته عقودا من اللجوء، وحمل في ازقته واحيائه أسماء أكثر من خمسة وثلاثين مدينة وق

+

نيو فيس 24

·10 دقائق read

من دفتر الذكريات ( 5 )

الكاتب

إسماعيل التلاوي

من عين الحلوة الى الخالصة...خصلة الشعر سبقت صاحبتها

حكايتنا هذه المرة، تبدأ في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، الواقع بالقرب من مدينة صيدا في جنوب لبنان.. ذلك المخيم الذي حمل في ذاكرته عقودا من اللجوء، وحمل في ازقته واحيائه أسماء أكثر من خمسة وثلاثين مدينة وقرية في الجليل... من صفد مرورا بصفورية والزيب حتى الصفصاف وحطين الخ .. فعاش الحرب والقصف والحصار والخوف والفقد طوال عقود، حتى سماه لاجئوه ( عاصمة الشتات الفلسطيني ) ... وظلت فلسطين فيه حاضرة لا كذكرى بعيدة، بل كشيء يسكن البيوت والوجوه والأسماء...وفي أزقته الضيقة، اجتمعت حكايات قرى الجليل ومدنه وبلداته، فكان المخيم عنوانا للقهر والحرمان من البعد عن الوطن، والشوق والحنين له...فكانت بيوت المخيم تزينها مفاتيح بيوتهم التي لم يحملوا سواها، وما تمكنت أيديهم أن تحمله، وما استطاعت الذاكرة أن تحفظه....

في أحد بيوت المخيم، كانت ( إسراء العيسى )، ذات الأعوام العشرة، تتحرك بخفة بين سريرها وحقيبتها الصغيرة، تطوي قطعة من ثيابها بعناية، ثم تعيد فتح الحقيبة، تنظر إليها لحظة، وتخرجها.. تضع حذاء، ثم تتردد فتستبدله بآخر.. وتضع دفترا صغيرا وقلما، ثم تعود فتضعهما في مكان آخر...كانت تتصرف وكأنها تستعد لرحلة عادية.. لكنها، في الحقيقة، كانت تستعد لشيء لم تعرف كيف تصفه، حتى لنفسها... فمنذ أيام، وهي تسمع من أطفال المخيم حديثا عن رحلة إلى فلسطين، رحلة تجمع أطفالا وشبابا وكبارا في السن، من مخيمات لبنان، ومن مخيمات أخرى في سوريا والأردن، ومن مناطق متفرقة في الشتات.. وكان اسم فلسطين يتردد بينهم كأنه شيء قريب جدا، وفي الوقت نفسه أبعد من الخيال.. لم تكن ( إسراء ) قد أخبرت جدتها أم العبد، بهذا الحدث الأقرب الى الحلم!! كانت تخشى ألا تصدقها.. والحقيقة أنها هي نفسها لم تكن قد صدقت تماما أنها ستذهب.. كل ليلة، كانت ( اسراء ) تسأل نفسها قبل أن تنام، هل ستحدث الرحلة فعللا ؟ هل سأرى فلسطين حقا ؟ وهل يمكن لطفلة لم ترى وطنها في حياتها، أن تعرفه عندما تراه ؟ كانت جدتها ( أم العبد ) تجلس في مكانها المعتاد، تراقب حفيدتها من بعيد.. امرأة تجاوزت الثمانين، لكن وجهها كان يحتفظ بشيء من طفولة بعيدة، كلما جاء ذكر قريتها (الخالصة ) مسقط رأسها.. تلك القرية التي عاشت فيها طفولتها، واختلطت في ذاكرتها بتفاصيل القرى اللبنانية والسورية القريبة منها: ( هونين، وحولا، والعديسة، ومركبا، وإبل القمح، وعرب العرامشة، والغوارنة ) وغيرها.. قضت فيها ( ام العبد ) طفولتها وشبابها، وظلت تفاصيلها حية في ذاكرتها، كما لو أنها غادرتها بالأمس.. وما زالت تتذكر عائلاتها.. خليل والدخلول وأبو ظاهر .. وعائلة العلي وفاعور.. وأبو طربوش .. وما زال مذاق ( عين الذهب ونبع العسل ) في قريتها ( الخالصة ) عالق في فمها منذ أن غادرتها قسرا.. وبينما كانت ( إسراء ) تضع قميصا في حقيبتها، رفعت رأسها فجأة، ونظرت إلى جدتها :ستي... ستي ؟ رفعت الجدة رأسها بخوف: شو يا ستي؟ اسم الله عليكِ يا ستي! أشارت إسراء إلى الحقيبة: شو رأيك يا ستي؟ فكرك هاي الملابس بتكفي؟ نظرت أم العبد إلى الحقيبة، ثم إلى الملابس المتناثرة حولها: عشان شو بتكفي يا ستي؟ ترددت ( إسراء ) قليلا، كأنها تبحث عن الطريقة التي ستخبر جدتها بالأمر: للرحلة... للرحلة يا ستي! اخفضت ( إسراء ) عينيها إلى حقيبتها: الرحلة اللي حكيتلك عنها... شو نسيتي يا ستي؟ وبصوت هادئ قالت الجدة: وبعدين معك يا زعرة.. شو هالرحلة اللي مش عارقه تحكيلي لوين رايحة؟ وببساطة الأطفال قالتها سريعا: لفلسطين، رايحين لفلسطين يا ستي!! توقفت يد ( ام العبد. ( . نظرت إليها طويلا: شو يا ستي؟ شو يا ستي شايفتيني زغيرة يا ستي؟ بدك تضحكي عليّ؟ لم يكن من السهل على ( أم العبد ) أن تصدق ما تسمعه.. كانت تنظر إلى ( إسراء ) ، ثم تحدق في عينيها، كأنها تبحث عن ابتسامة صغيرة تفضح مزحة طفولية، أو عن تردد يعيدها إلى الحقيقة التي عرفتها طوال عمرها، أن فلسطين بعيدة.. والذين خرجوا منها ذات يوم، لم يكونوا يعرفون أن الأيام التي قالوا أنها أيام، ستصبح سنوات، وأن السنوات قد تصبح عمرا كاملا .. لكن ( إسراء ) لم تتراجع.. قالتها ببساطة الأطفال، وباليقين الذي لا يحتاج إلى برهان: أنا رايحة على فلسطين يا ستي!!.. ومرة أخرى سألتها جدتها، ثم عادت فسألتها، كأنها لا تريد أن تصدق، أو ربما كانت تخاف أن تصدق.. وحين أخذت ( إسراء تشرح لها أن الرحلة حقيقية، وأنها ستكون مع مجموعة من الفلسطينيين من مخيم عين الحلوة والقادمين من المخيمات وبلاد الشتات، سيشاركون في الملتقى الثقافي الذي سيعقد في فلسطين... وأنها ستقف فعلًا على أرض فلسطين، تبدل وجه جدتها شيئًا فشيئا.. فلم تعد ( ام العبد ) أمام طفلة تروي حلما.. كانت أمام حفيدتها التي ستفعل ما لم تستطع هي أن تفعله طوال عمرها.. وفجأة، بدأت الذاكرة تستعيد المكان.. الطريق.. البيوت.. ينابيع الماء.. البيارات.. الوجوه.. عائلات الخالصة... ( خليل والدخلول وأبو ظاهر .. وعائلة العلي وفاعور.. وأبو طربوش ) .. وما زالت تذكر تفاصيل بيتها ( العقد ) الذي غادرته، ولم تعد إليه.. حتى الأشياء الصغيرة التي لا يعرفها أحد سواها.. وكأن الذاكرة، حين أدركت ام العبد أن ( إسراء ) ستذهب، قررت أن تفتح خزائنها كلها دفعة واحدة.. كانت ( إسراء ) تستمع بشغف، وتسأل عن كل شيء، وتقترب من جدتها شيئًا فشيئًا، حتى وجدت نفسها تنام في حضنها.. ثم سألت: ستي بدي أسألك.. الخالصة لسه موجودة يا ستي؟؟ في النا فيها اشي؟ خرج السؤال من طفلة، لكنه وقع في قلب امرأة حملت القرية ثمانين عامًا.. تنفست أم العبد بعمق، وقالت: يا ستي... الخالصة من هون مش بعيدة، هيها.. فحجة ونص بنوصلها، ثم سكتت لحظة، قبل أن تضيف: سيدك أبو العبد، الله يرحمه، رجع عالبلد بعد ما رحلنا بعشر أيام.. رجع ومعه سيدك أبو الراجح وجارنا أبو فهمي، الله يرحمهم.. كان بده يجيب تحويشة عمره... مية وخمسين جنيه، كان مخبيها تحت النملية بالعقد الكبير.. وابتسمت ابتسامة موجوعة واكملت: رجعوا يا ستي وما لقيو لا نملية، ولا بيت، ولا إشي.. ثم خفت صوتها: كل إشي كان مدمر ومحروق.. وما ظل في البلد غير جامع البلد... واعرفنا بعدين انهم حولوه لمتحف.. صمتت ( إسراء )، لكن أسئلتها لم تصمت.. وفيما كانت تنهال بالأسئلة على جدتها إلا أن أم العبد كانت تشعر بشيء آخر.. شيء لم تجد له اسما.. وللمرة الأولى، بدا لها أن الرحلة ليست رحلة ( إسراء ) وحدها.. سكتت ام العبد، ووضعت يدها على شعر حفيدتها، وأخذت تمرر أصابعها بين خصلاته ببطء، ثم أمسكت خصلة صغيرة، وتأملتها طويلا.. وكأنها ترى فيها، للمرة الأولى، شيئا ظل معها منذ أن كانت في ( الخالصة )، وعاش معها سنوات اللجوء، وكبر معها في المخيم، وبقي شاهدا صامتا على عمر كامل من الغياب.. وفجأة قالت ام العبد: ستي.. قومي فزي يا ستي.. جيبيلي المقص من الخزانة يا ستي.. نهضت ( إسراء ) من حضنها، واتجهت إلى الخزانة، وهي تنظر إلى جدتها بخوف: المقص يا ستي؟ شو بدك تعملي؟ بدك تقصي شعري؟ حرام عليكِ يا ستي! ابتسمت أم العبد: لا يا ستي، لا تخافي.. أخذت الجدة المقص، ثم مدت يدها إلى شعرها، وقصت خصلة صغيرة منه.. شهقت إسراء: ليش قصيتي شعرك يا ستي؟ لم تجبها.. وأخذت قطعة صغيرة من القماش، وضعت فيها الخصلة بعناية، وطوتها كما لو أنها تطوي شيئًا ثمينًا.. كانت يد الجدة ترتجف، وهي تشير الى ( اسراء ) حاملة قطعة القماش: لما توصلي فلسطين، احفري إلها يا ستي حفرة صغيرة وحطيها فيها، وبعدين غطيها بالتراب !! نظرت ( إسراء ) إلى جدتها طويلا: ليش يا ستي؟ وبحسرة والم مصحوبا بدمعة حزن قالت الجدة: عشان يوصل إشي مني لهناك.. قالت ( إسراء) ببراءة كاملة: بس إنتِي يا ستي رح تروحي عليها يوم! ابتسمت أم العبد، وكانت الدموع قد سبقتها إلى عينيها: بتمنى يا ستي.. لترد اسراء: ليش بتقولي بتمنى؟ أكيد رح تروحي يا ستي! نظرت أم العبد إلى حفيدتها وقبلتها، وكأنها تريد أن تحفظ وجهها في تلك اللحظة.. ثم قالت بصوت خافت، تخنقه عقود من الانتظار: يا إسراء... أنا ما بعرف يا ستي إذا العمر رح يسمحلي أرجع على فلسطين.. بس إذا ما قدرت أرجع بجسمي، هاي الخصلة رح توصل قبلي.. ضمت ( إسراء ) خصلة الشعر إلى صدرها وقالت : رح أحطها يا ستي ( بالخَالصة ).. ابتسمت جدتها: إذا قدرتِي يا ستي... حطيها ( بالخَالصة ).. قالت اسراء: أنا بحب الخالصة يا ستي.. عشان هيك بدي ادفنها في ( الخالصة ).. هزت الجدة رأسها: لا يا ستي... أنا بحب كل شبر من فلسطين.. المهم تلمس شعري تراب الوطن.. وضمت يدها إلى يد حفيدتها: إنتِي يا ستي، ما رح تدفني إشي.. انتي راح ترجعيه لمكانه.. كانت الكلمات أكبر من أن تستوعبها طفلة في العاشرة، لكنها دخلت قلبها بطريقة لم تعرفها يومها.. أغلقت إسراء قطعة القماش جيدا، ووضعتها في مكان آمن داخل حقيبتها.. ثم سألت: لما أوصل فلسطين... شو أحكيلها يا ستي؟ ابتسمت أم العبد: فلسطين هي راح تحكيلك عن حالها.. وسكتت قليلًا قبل أن تضيف: وإذا مرقتِي بمكان.. وحسيتي إنه قلبك وقف لحظة... اعرفي إنه في إشي داخلك عرف المكان قبلك.... في تلك الليلة، نامت ( إسراء ) وهي تفكر في الرحلة.. أما ( أم العبد ) ، فلم تنم بسهولة.. ظلت تنظر إلى حقيبة حفيدتها.. وكانت تعرف أن طفلة في العاشرة ستحمل معها، في قطعة قماش صغيرة، شيئًا من امرأة في الثمانين، وشيئًا من حكاية الخالصة، وشيئًا من وطن، ظل حاضرا في الذاكرة طوال عقود الغياب.. غادرت ( إسراء ) مع جموع الأطفال والشباب عائدين الى وطنهم.. وصلت اسراء إلى فلسطين.. ورأت للمرة الأولى ما كانت جدتها تصفه لها طوال سنوات.. رأت الأرض التي كانت، حتى ذلك اليوم، حكاية.. ومشت على التراب الذي كانت جدتها ( أم العبد ) تستحضره في ذاكرتها كلما أغمضت عينيها....

وفي أرض جنين، عند مقبرة شهداء الجيش العراقي، جلست إسراء قليلًا.. أخرجت قطعة القماش من حقيبتها.. فتحتها.. نظرت إلى خصلة شعر جدتها طويلًا.. ربما تذكرت وجهها.. يديها.. صوتها.. وتلك الجملة التي لم تفهمها تمامًا يوم قالتها لها: ( إنتِي ما رح تدفني إشي... رح ترجعيه لمكانه ) حفرت إسراء حفرة صغيرة.. وضعت الخصلة فيها، ثم غطتها بالتراب.. وحين مسحت يديها، بقي شيء من التراب عالقا بأصابعها.. نظرت إليه طويلًا.. وفي تلك اللحظة، لم تعد الخصلة مجرد خصلة شعر.. كانت امرأة غائبة.. وكانت قرية وذاكرة بيت.. وكانت أمهات وجدات، حملن معهن حين خرجن من البلاد، مفاتيح البيوت، وصور الأحبة، وحكايات البرتقال والليمون والزيتون والزعتر... وحملن في صدورهن جنينا من وطن لم يولد فيه أبناؤهن.. وضعت (إسراء ) كفها على التراب.. لم تقل شيئًا.. ولكنها تذكرت وصية جدتها ( خلي فلسطين تحكيلك عن حالها ) ولأول مرة، ربما، فهمت إسراء، لماذا لم تكن جدتها تقول: ( سأعود ) !! كانت تقول: ( بتمنى ) !.. وفهمت أن خصلة شعر جدتها التي حملته من مخيم عين الحلوة، كانت تريد أن تعيد جزءًا من جدتها إلى المكان الذي خرجت منه ذات يوم.. أما ( الخالصة )، فكانت تنتظرها في مكان ما، في الذاكرة وفي الأرض، كأنها لم تغب يوما.. وستعود اليها لا محالة ... وبذلك تكون خصلة الشعر قد سبقت صاحبتها إليها.....

Source: وكالة معا الإخبارية

Stay informed

Follow related sections on New Face 24

More from Politics

Suggested

Read also

صلاح ينشر أول صوره مع طفله "ليل"Sports

صلاح ينشر أول صوره مع طفله "ليل"

1 دقيقةSaturday, 3 October 2026 at 18:53