الاستيطان أو الهزيمة
خلاصة القول: لم يعد المشروع الاستيطاني يكتفي بالعمل الحثيث على تقويض فرص الدولة الفلسطينية، بل بات يراهن على أن نعتاد العدوان ونسلّم به. فحيثما يتحول الاعتداء اليومي إلى خبر عابر، والصمت الرسمي إلى سياسة، تتسلل الهزيمة الى عمق أعماقنا. وما لم تنتقل القيادة من إدارة الأزمة إلى موا
نيو فيس 24
·8 دقائق read

الكاتب: د. حسن أبولبده
خلاصة القول: لم يعد المشروع الاستيطاني يكتفي بالعمل الحثيث على تقويض فرص الدولة الفلسطينية، بل بات يراهن على أن نعتاد العدوان ونسلّم به. فحيثما يتحول الاعتداء اليومي إلى خبر عابر، والصمت الرسمي إلى سياسة، تتسلل الهزيمة الى عمق أعماقنا. وما لم تنتقل القيادة من إدارة الأزمة إلى مواجهتها، فإن معادلة الأمس القريب ستنقلب إلى معادلة أشد قسوة: الاستيطان أو الهزيمة.
كَتبتُ تحت عنوان «إما الاستيطان أو الدولة» مطلع أيلول 2026، أن ما يجري على الأرض صراع بين مشروعين لا تتسع لهما جغرافيا واحدة. أما اليوم، وبعد أسابيع قليلة فقط، فأخشى أن المعادلة نفسها تغيّرت، فالمواجهة باتت تدور حول منع المشروع الاستيطاني من فرض العجز والتسليم بالأمر الواقع، وهي مواجهة تُخاض كل يوم على أطراف القرى والينابيع والطرق والأراضي الزراعية والتلال والجبال، لا في معركة محدودة. والمخيف في هذا المسار أنه لا يحتاج إلى إعلان، فيكفي أن يصبح إحراق منزلين في جالود سطر في نشرة محلية، وأن يُقرأ تهجير تجمع بدوي كامل كما يُقرأ خبر عن الطقس، حتى تتحول الخسارة إلى عادة. وحين نعتاد نحن الضحية على المشهد، يكون المشروع الاستيطاني قد ربح نصف معركته من دون أن يطلق رصاصة إضافية.
منظومة "التجاوزات الفردية": كيف يُصادَر المستقبل؟
إن حجم الخطر ليس توصيفاً أدبياً. فمنذ مطلع العام وحتى نهاية أيلول 2026 وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 5,287 اعتداءً للمستوطنين، منها 798 في تموز وحده. ولذلك، فإن أرقاماً بهذا الانتظام تُسقط ذريعة "التجاوزات الفردية"، وتكشف منظومة متكاملة الأدوار، فيها وزير عنصري يميني من غلاة المستوطنين يمسك منذ 2023 بصلاحيات الإدارة المدنية، وجيش يؤمّن الاقتحامات، ومستوطنون ينفّذون، وقضاء يغلق 94% من ملفات التحقيق في جرائمهم دون لائحة اتهام، وفق منظمة "ييش دين". فهذا وصفة متقنة للإرهاب المنظم، الذي يسميه الاحتلال "عنفاً فردياً".
والأخطر من العدد هو الوظيفة، فالعنف أصبح أداة استيلاء على الأرض، ومحركه البؤر الرعوية. وقد نشر اتحاد المزارع الاستيطانية نفسه في 10 أيلول 2026، عبر القناة السابعة الإسرائيلية، خريطة تُظهر أن مزارعه تمتد على أكثر من 1.1 مليون دونم، أي نحو خُمس مساحة الضفة، مقابل نحو 200 ألف دونم فقط للمستوطنات المبنية، أي قرابة ستة دونمات رعوية مقابل كل دونم مبني. وحتى لو كان في الرقم تضخيم دعائي، فهو اعتراف من أصحاب المشروع أنفسهم، يرافقه إعلان صريح عن السعي إلى مليون دونم آخر. وحصيلة ذلك أن منظمة "أوتشا" رصدت تهجير 130 تجمعاً فلسطينياً كلياً أو جزئياً حتى نهاية آب 2026، وقد تم إفراغ 48 منها بالكامل. وباعتقادي أن هذا هو المعنى العملي لتفكيك الجغرافيا: إفراغ المنطقة (ج)، ثم الزحف نحو أطراف المدن، حيث بسط مستوطنو هذه البؤر سيطرتهم على أكثر من 100 ألف دونم في المنطقتين (أ) و(ب)، وفق "حركة السلام الآن"، حتى يُحشر الفلسطينيون في جزر معزولة، ويصبح الحديث عن دولة متصلة وهم سياسي.
إن في ما جرى يوم الثلاثاء 29 أيلول 2026 نموذج مكثف لهذه الآلية. فقد تجمّع عشرات المستوطنين عند دوار جريوت في بيتونيا بحماية قوات الاحتلال، ورشقوا مركبات المواطنين بالحجارة، تمهيداً لأداء طقوس "عيد العرش" عند عين جريوت، التي تروي أراضي البلدة، فيما أحرق مستوطنون فجر اليوم نفسه مركبتين وخيمة في المغير، القرية التي باتت البؤر المحيطة بها تسيطر على معظم أراضيها. ومن المهم التأكيد على أن الصلاة عند النبع ليست طقساً بريئاً، فالاستيلاء على الينابيع يبدأ بـ"زيارة" دينية، وينتهي بمنع أصحاب الأرض من الوصول إليها، كما جرى لينابيع العوجا في الأغوار. وقد أتلف المستوطنون أو استولوا، وفق "أوتشا"، على نحو 160 منشأة مياه وصرف صحي في التجمعات الفلسطينية منذ مطلع العام وحتى تموز، فالماء بات، بعد الأرض، الساحة التالية للقرصنة وخنق الحياة الفلسطينية.
إن توقيت هذا التصعيد ليس صدفة، ففي تقديري أن الحرب على غزة وفّرت لحكومة اليمين غطاءً لتسريع الحسم في الضفة، وأن الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول، تجعل كل مشهد توسع أو استيلاء أو عربدة أو اعتداء استيطاني رسالة إلى الناخب الإسرائيلي، مع أن الانتخابات تسرّع مشروعاً قائماً ولا تصنعه.
أين القيادة والفصائل من كل هذا؟
في مقابل منظومة تعمل بهذا الوضوح، يثير موقف اللاموقف الذي تنتهجه القيادة الفلسطينية الاستغراب إن لم يكن بأهليتها، وينطبق ذلك الى حد ما على فصائل العمل الوطني، التي يبدو أنها تشارك في المغانم وتنأى بنفسها عن المغارم. ومن حق أي مواطن أن يسأل، هل استنفرت حين وصلت عصابات المستوطنين إلى مشارف بيتونيا؟، وعاثت خنقا في قصرة والمغير وأخواتهما، وهل تحركت السفارات الفلسطينية في العالم للتوعية بما يجري، وحشد التضامن والمواقف الرافضة لهذا العدوان المتواصل؟، وهل أرسلت فريقاً قانونياً واحداً إلى قصرة أو المغير أو عين جريوت؟، أم ستكتفي، كالعادة، ببيان استنكار، يتأخر هو الآخر عن موعده؟، وهو أضعف الإيمان، وهذا وحده مقياس لما وصلت إليه حالنا.
لا أتجاهل القيود الخانقة على القيادة والسلطة، التي هندستها إسرائيل بشتى طرق، من حجز أموال المقاصة، لقطع السبل أمام العمل في سوقها، واتخاذ عشرات القرارات العدوانية لخنق الاقتصاد والمجتمع والأمن الجماعي والفردي، لتغرقها في أزمات متلاحقة. إن التعاطي مع هذه القيود ليس فاعلا ولا شاملا ولا جامعاً، ويفسّره ضعف الأدوات على الرغم من توفر الإرادة ربما؛ فتنظيم لجان الحماية لا يحتاج إذناً من سموتريتش، واعتقال المشاغبين وتسليمهم لدولتهم منصوص عليه في الإتفاقيات، وتوثيق الاعتداءات لا يحتاج أموال المقاصة. ولهذا من حق المواطن يعتق بأن الصمت واللامبالات يقتربان من حدود التواطؤ غير المقصود، لأن هذا الموقف والسلوك، يُبلغ الاحتلال عملياً أن كلفة تصعيد المستوطنين معدومة. ومن المفارقة أن الملك عبدالله الثاني وصف من على منبر الأمم المتحدة في 22 أيلول ما يجري في الضفة بأنه تهجير قسري، وهو جريمة حرب، بينما لا يزال خطابنا الرسمي أسير عبارات الاستنكار والدعوة للمقاومة الشعبية السلمية ودون الحشد لممارستها، وعدم توفير المقومات، ودون الزج بكوادر الفصائل لتقود الحراكات الشعبية.
ثم ماذا؟
المطلوب ليس بياناً أشد لهجة، بل خطوات يمكن محاسبة القيادة على تنفيذها
أولاً، خطة وطنية معلنة لحماية موسم الزيتون الذي سيبدأ خلال أيام، وهو ذروة اعتداءات المستوطنين؛ ففي تشرين الأول 2025، وثّقت "ييش دين" 264 اعتداءً. والمطلوب لجان حماية شعبية، وطواقم قانونية محلية ودولية ترافق المزارعين، وصرف تعويضات خسائرهم خلال أسابيع لا سنوات، رغم الأزمة المالية الخانقة.
ثانياً، برنامج صمود للتجمعات البدوية والقرى المهددة بفقدان مسقط رأسها وينابيعها، يموّله القطاع الخاص والجاليات عبر صندوق وطني مستقل عن الموازنة، على غرار «صندوق الكرامة الوطنية» الذي أُغلق قبل أربعة عشر عاماً، كي لا يبقى الصمود رهينة أموال المقاصة.
ثالثاً، تحويل السفارات إلى غرف عمليات بأدوات محددة للمتابعة مع الدول والأحزاب والشعوب: فالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية (19 تموز 2024)، الذي أكّد التزام الدول بعدم تقديم العون لإدامة الوضع غير القانوني الناشئ عن الاحتلال، وقرار الجمعية العامة الذي منح إسرائيل مهلة اثني عشر شهراً لإنهاء احتلالها، انقضت في أيلول 2025 دون تنفيذ، والقرار البريطاني في 8 أيلول بحظر استيراد بضائع المستوطنات، وإعلان اثنتي عشرة دولة في اليوم نفسه عزمها تقييد التجارة معها، هي مبررات قوية لدفع دول أخرى إلى الالتحاق بهذا المسار، والإستثمار في المتابعة اليومية الحثيثة. ناهيك عن وجوب أن يتحول كل اعتداء موثّق إلى ملف قانوني وقضية رأي عام دولية.
رابعاً، حضّ الأشقاء العرب ومجموعة ال 77+1 ودول منظمة التعاون الإسلامي على مراجعة جادة لأشكال التواصل مع حكومة تعمل علناً على تقويض حل الدولتين، بما في ذلك دول اتفاقيات أبراهام، والاصطفاف في موقف موحد يوظّف الاتفاقيات القائمة أداةً للضغط لا غطاءً للتطبيع، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
خامساً، فتح نقاش فلسطيني جدي حول التحلل التدريجي من اتفاق أوسلو، كما فصّلتُ في مقالي «نحو الخروج على أوسلو» المنشور في 15 أيلول 2026.
دعونا نتفق على إن الأمم لا تُهزم حين تتعرض للعدوان، بل حين تتكيف معه، ولا تخسر حقوقها حين تواجه، بل حين تعتاد التراجع/التنازل، والصمت على مصادرة وقضم الحقوق. إن المعركة اليوم شاملة وفاصلة لكل المعاني السياسية للقضية ومساحة الأرض وحدود الدولة المنتظرة، وتفشي الاستيطان بما يترافق مع ذلك من التهام الأرض وأمن المواطنين وأرواحهم، والأهم من كل ذلك فإن مستقبل أطفالنا في قد زُج به في أتون المعركة، ولا خيار لنا إلا التمسك بإرادتنا المجتمعة على التصدي والصمود.
لهذا، وقبل أن يتعمق تحويل الاستيطان من مشروع يهدد الدولة، إلى واقع يكرّس الهزيمة، "دقوا على جدران العدوان".
دقوا عليها في العواصم والبرلمانات والمحاكم،
وقبل ذلك كله في حقول الزيتون والجبال والسهول والأزقة والحارات والبيوت المحاصرة،
قبل أن يطبق الصمت على ما تبقى من الأرض، وما تبقى من الحلم، وما تبقى من الوطن.
Source: وكالة معا الإخبارية
Suggested
Read also
Politicsالقناة 12: عام كامل دون إطلاق صواريخ من غزة باتجاه إسرائيل
Politics. التحالف: الحوثيون استهدفوا محطة كهرباء في المدينة المنورة
Politics